بقلم: محمد شاهين
من المعروف ان المادة تتحول من حالة الى اخرى من الصلابة الى السيولة ثم الى الغازية لكنها لا تفنى, العملة تعتبر في منطق الاقتصاد سيولة تنتقل من جيب الى اخرى تقل او تختفي من الاولى وتزيد او تنتفخ بها الثانية لكنها لا تتبخر فأين ذهبت واين الخلل?.
واذا كانت الملاءة المالية تنتج عن فن انتقال الاموال من يد الى اخرى فان هذا الفن هو الذي اصابه الخلل لا الاموال هي السبب وهو الذي ادى الى هبوط قيمته لانه تحول الى وجهات غير التي وجد لها اصلا فالمال وجود ليكون وسيلة لتعزيز انتاج السلعة والخدمة التي يحتاجها الانسان, يضيف سيولة تتحول الى سلعة لها قيمة مضافة بحيث تتناسب طبيعة السلعة وسعرها مع طبيعة وحجم الاستهلاك وقدرة المستهلك على الحصول عليها. فهل توجه المال خلال العقدين الماضيين الى هذه الوجهة? ام تحول المال نفسه الى سلعة?.
هل ضخ الاموال ينقذ المال نفسه ام سيدخل الى قنوات الانتاج ليرمم ما انتجته السياسة المالية السائدة والتي اعتبرت الثروة مصدر القوة ومصدر التأثير والمكاسب الشخصية والمؤسساتية وحتى الدولية فاصبح الانتاج موجها الى منتجات لها خاصية انتاج المال والاثر من دون الاهتمام بمروره في القنوات الاقتصادية المتشعبة للمجتمعات والتي تسد احتياجاتها اليومية والحياتية وتعزز العمالة والاكتفاء الذاتي ولو للسلع الاساسية التي تقي المجتمعات والدول شرور الاعاصير الاقتصادية الطارئة وبدأت هذه الظاهرة في الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة التي بدأ التحول بها وتعرضت لاكبر صدمة هزت كيانها الاقتصادي واهتز معها العالم كل حسب توافقه مع انماطها وتفادت هذه الهزة الاقتصادية التي سلكت طرقا مختلفة مثل الصين, التي وعت هذه الظاهرة قبل حدوثها وبالرغم من انها لا تنتج النفط اهم عامل لانتاج النقد الا انها تملك فائضا ماليا يناهز 1.5 ترليون دولار وحوالي 700 مليار ديون تصديرية على الولايات المتحدة وحدها وسوف تتفوق على الولايات المتحدة في مجمل انتاجها القومي بحلول سنة 2012 اذا ما استمر النمو الاقتصادي على وتيرته الحالية ولاول مرة في التاريخ لانها انتجت سلعا معظمها للاستهلاك البشري لا توجد من ضمنها اسلحة ولا سندات ائتمانية ولا دخل لها بالرهن العقاري والمضاربة بالبورصات العالمية والمحلية هذه النشاطات, والوسائل على اهميتها والتي كان من المفروض ان تلي هذه النشاطات, الازدهار الاقتصادي ولا تسبقه, والازمة الحالية ستضيف الى اقتصاديات الدول التي تفادت اثارها السلبية نموا اضافيا قد يزيد على ازمة المتأزمين ويوسع الهوة بين النظريتين اذا استمرت هذه الاقتصاديات في الاعتماد على ما سبق وتجربة المجرب.
اين نحن في الاردن من هذا كله?
لم يطرأ على الاردن ما يوجب القلق فلا يوجد عندنا نفط انتج مالا تكدس في البنوك المتأثرة بالازمة الراهنة وعلى العكس من ذلك علينا التزامات مالية دولية تحرص الدول الدائنة على الاردن وعلى اموالها ودعمها وكذلك التأثر السلبي لسعر النفط له اثر ايجابي على الاردن واقتصاده لانه سينعكس نزوله على معظم السلع والخدمات.
والازمة العالمية ستؤدي بطبيعة الاشياء الى نزول الاسعار وبدأنا فعلا نلمس ذلك هبوط اسعار الحبوب والحديد والنفط والالمنيوم والاسمنت وغيرها وكلها مستوردات تشكل الحجم الاكبر من مستورداتنا وسعر صرف الدينار ثابت وهو ما يوفر الامن والطمأنينة للمستثمر الاجنبي والمدخر الاردني ولا يؤشر الى الخوف من نقص السيولة نتيجة ذلك ويؤمن قيمة اكبر للايفاء بالالتزامات تجاه الاسعار حسب العرض والطلب وقد يعيد التاجر الى واقعيته التي سادت قبل الازمة بترشيد الهامش الربحي للسلعة للتوافق مع امكانية المستهلك في الحصول عليها ونمو الانتاج والعمالة.
تذبذب اسعار الاسهم والبورصة:
ان تذبذب الاسعار في سوق البورصة ناجم عن بيع اسهم لمالكين غير اردنيين بالدرجة الاولى تأثروا سلبا بتعاملات خارج الاردن وتصوروا ان الامر سيتبع وكذلك بعض صغار المستثمرين والمضاربين وهذا دليل قوة لا مبررا للخوف لأن السعر الذي تم التداول به هو سعر العدد المباع من الاسهم لا سعر مجمل الاستثمارات كما حصل لبنك لخمن او شركة Fennimie العقارية في الولايات المتحدة على سبيل المثال لا الحصر والتي عكس عدم امكانيتها الاستمرار على سعر اسهمها الذي تدنى الى ارقام رمزية وذلك لا ينطبق على أي مؤسسة مالية او عقارية اردنية.
ان هبوط بعض اسعار الاسهم المتداولة في الاردن يخضع للاتجاه السائد في الاقتصاد العالمي والذي اعتبر المال ومشتقاته من الاسهم والسندات سلعة يبيعها ويشتريها المستثمر حسب ما تحقق له من ربح وخسارة لكن التعامل والبيع تم عن طريق الافراد وليس كنظام اقتصادي رئيس, وعلى العكس من الدول ذات الاقتصادات القيادية في العالم فإن تدخل الاردن الرسمي عن طريق صناديق الادخار والضمان الاجتماعي والجهد المؤسسي وغيرها شكل رؤية مستقبلية ادت الى توازن العرض والطلب وعاملا آخر ضامن لهذه الاسهم والاستثمارات الحالية وسينعكس ايجابيا في المستقبل.
ما هي الضمانات للتفاؤل
ان ما تم اكتشافه ورؤيته من جبل الجليد ادى الى الفزع ونتج عنه ما نتج من تفسير وتحليل وتخوف في جميع انحاء الكرة الارضية والاردن ليس استثناء لكن التأثر الحقيقي بالأزمة كان من الحجم المعقول والذي يضيف الى اسباب التفاؤل واذا استمر الاردن بتوفير استمرار السياسة النقدية الحكيمة ووضوح الرؤية في طريقة التعامل مع الازمة وعزز الامن الاجتماعي والسياسي الذي يعهده الاردن وبلور موقفا واضحا للتعامل مع الازمة بحجمها واثرها المحلي وليس بحجمها العالمي واتضحت الصورة لكل المعنيين بها واتجه الى تعزيز قدراته الانتاجية الصناعية والزراعية والسياحية مستفيدا من الآثار الايجابية للازمة فإن الاردن واقتصاده بخير وستثبت الايام والاشهر المقبلة نجاعة تعاملنا مع الازمة وسبب تفاؤلنا وثقتنا بالمستقبل المهم ان نستفي¯د م¯ن الدرس ونعود الى صناعتنا ونعزز انتاجنا كما ونوعا كواجب وطني وديني.