بقلم: د. محمد التل
حالة عدم الاستقرار في الاقتصاد العالمي نتيجة أزمة الائتمان الأمريكية أو ما يطلق عليها اليوم بالأزمة المالية العالمية نتيجة انتقال حمى هذه الأزمة المتفشية في الاقتصاد الأمريكي إلى الأسواق المالية الأوروبية والآسيوية نتيجة تداخل اقتصاديات الدول الكبرى بالاقتصاد الأمريكي. والسؤال المطروح حالياً هو كيف سيكون أثر أزمة الائتمان الأمريكية على الاقتصاد الأردني؟ برأينا فإن الحكم على مدى تأثر اقتصادنا الوطني بالأزمة ما يزال مبكراً نسبياً لكنه مفيد, خاصة وان الأردن لا يمتلك فوائض مالية مستثمرة في الخارج, لا بل عجز دائم يتم سداد جزء كبير منه من المساعدات الخارجية, كما أن الأردن يعتبر من ضمن الدول ذات درجة الانفتاح المالي المتوسط والتي ليس في أسواقها المالية أدوات مالية مسمومة كتوريق الديون ومنح القروض غير المغطاة ائتمانيا كما في الأسواق المالية الأمريكية والأوروبية. لا يعني هذا أن الاقتصاد الأردني يعيش بمنأى عن ما يحدث في العالم. لهذا يجب أن يتم دراسة وتمحيص الجوانب الإيجابية والسلبية المتوقعة على الاقتصاد الأردني من هذه الأزمة العالمية, وان يتم اتخاذ بعض الإجراءات اللازمة لها لتجنيب اقتصادنا الوطني التقلبات التي تشهدها هذه الأيام السوق الأمريكية والأسواق العالمية والتي من المتوقع لها أن تؤثر على الطلب الاستهلاكي العالمي منذراً بكساد في الاقتصاد العالمي يلوح بالأفق مستتراً بثوب الركود.
اما على المستوى المحلي فان الركود الاقتصادي العالمي الذي سينتج عن هذه الأزمة سيعمل على انخفاض الطلب العالمي على الطاقة وسيقود أسعار النفط والمواد الغذائية إلى الهبوط حيث تشير التقارير إلى أن الطلب على النفط يعاني من ركود ملحوظ في أوروبا واليابان حاليا وسيتبعها انخفاض في الطلب على النفط في السوق الأمريكية نظرا لانخفاض مستويات التشغيل والإنتاج, مما سيوفر على الأردن مبالغ مالية كبيرة بسبب انخفاض قيمة فاتورة الطاقة, ويعمل على خفض العجز في الميزان التجاري مما يسهم في تحسن ميزان المدفوعات, بسبب انخفاض كلف المستوردات وبشكل خاص من السوق الأوروبية والذي كان النفط العامل الرئيسي في تضخمها خلال العام الحالي, وزيادة احتياطي المملكة من العملات الصعبة, وفوق كل ذلك سنستعيد القدرات التنافسية لمنتجاتنا الصناعية محلياً, وفي أسواق التصدير, بسبب انخفاض تكاليف الإنتاج من الطاقة بعد خفض أسعار المشتقات البترولية محليا بصورة شبه منسجمة مع أسعار النفط الخام وتكلفة إنتاج المشتقات النفطية محلياًً.
لابد لنا من التنبه إلى التحديات الكبيرة التي قد تنتج عن هذه الأزمة منها: تراجع الصادرات, التي تشهد تباطؤاً في نموها إلى السوق الأمريكية حيث ستتأثر الصادرات المتجهة إلى الدول التي تعاني بشكل رئيسي من الأزمة المالية وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية بسبب انخفاض الطلب مما سيؤثر سلباً على الإيرادات المالية للشركات الأردنية المصدرة إلى السوق الأمريكي وخصوصا صناعة الألبسة كما هو واقع الحال الآن بالنسبة إلى صادرات المناطق الصناعية المؤهلة. أما بالنسبة للسوق المالي فانه من المفيد اتخاذ بعض التدابير كوضع حد أدنى مسموح به لنسبة هبوط الأسهم يومياً كما فعلت بعض الدول, بالإضافة إلى حث الصناديق الاستثمارية الكبرى العربية والمحلية على زيادة ضخ السيولة النقدية للسوق المالي لكي نحسن من صورة السوق المالي لدى المتعاملين, بعدما لعب هبوط مؤشرات الأسواق المالية العالمية وبعض الأسواق العربية الواحدة تلو الأخرى دوراً كبيراً في التأثير على سوق عمان المالي بفعل العامل النفسي. ومن التحديات التي قد تنتج من الأزمة المالية العالمية مستقبل المساعدات الخارجية المقدمة للأردن وإمكانية انخفاض المنح والمساعدات للخزينة نتيجة الظروف الاقتصادية للدول المانحة والتي من أبرزها نقص السيولة في تلك الدول.
تلوح بالأفق بوادر انحسار التضخم المحلي والذي يشكل التضخم المستورد منه نسبة كبيرة بسبب انخفاض أسعار النفط عالمياً مما يتطلب دراسة أسعار الفائدة محلياً والعمل على تخفيضها بما يتناسب مع حجم الاقتصاد الأردني. كما يجب التصرف بحكمة واستغلال الأزمة المالية العالمية لصالح الاستثمار في الأردن وخصوصا أن العديد من الدول الناشئة والدول الخليجية والصين وروسيا وبعض الدول الأخرى تمتلك صناديق ثروة سيادية تقدر بترليونات الدولارات تستثمر في العديد من دول العالم وخصوصا في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. فضعف الثقة بالأسواق المالية العالمية الأمريكية وبعض الدول الأوروبية سيعمل على إحجام العديد من المستثمرين وخصوصا أشقائنا من دول الخليج باستثمار المزيد من أموال العوائد النفطية في الأسواق المتضررة لا بل ربما سحب استثماراتها بالكامل والبحث عن بؤر استثمارية جديدة, وهنا يأتي دورنا في جذب هذه الاستثمارات وضخ جزء منها في الاقتصاد الأردني, نظراً لما يتمتع به النظام المصرفي الأردني من درجات أمان عالية إضافة إلى نعمة استقرار الأمن الذي ننعم به مقارنة مع الدول الأخرى في المنطقة.
الشيء الجيد هو أن الاقتصاد الأردني ما زال على بر الأمان ويمكن لنا التنبؤ بآثار الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد الوطني الأردني على المدى القصير والمتوسط ووضع الحلول الناجعة لتلك الآثار المحتملة قبل وقوعها.