بقلم: سلامه الدرعاوي
لا احد ينكر ان الاقتصاد الوطني سيتأثر سلبا بشكل او بآخر جراء الازمة المالية, فهناك قطاعات ستتراجع انشطتها وهذا امر طبيعي وديناميكي, وليس صحيحا ان الاردن بمعزل عن ما يجري في الخارج, والدراسة التي اعدتها وزارة المالية حول تداعيات الازمة على المملكة مؤشر واضح على ذلك.
لكن التخوف من تنامي الازمة وتأثيرها على الاردن بنفس الصورة السلبية التي تشهدها اقتصاديات اخرى امر فيه مبالغة, فالازمة الاقتصادية التي تعرض لها الاردن بدا بتجاوزها بنجاح, وهنا اقصد ازمة ارتفاع اسعار النفط بنسبة 50 بالمئة وزيادة اسعار المواد الغذائية بنسبة تجاوزت في بعضها 60 بالمئة, ما ادى الى ارتفاع غير مسبوق على التضخم 15.9 بالمئة, تلك تحديات ادت الى تآكل القوة الشرائية للدينار ما اثر سلبا على معيشة الاردنيين خاصة ذوي الدخل المحدود.
تجاوز تلك الازمة الاشد بالنسبة للاقتصاد الاردني لم يكن عبثا, بل كان نتيجة منطقية لتعامل ذكي ومنهجي من الحكومة مع الاوضاع والمتغيرات الاقتصادية المتسارعة, وعدم استسلامها لتسونامي الاسعار, فتحركت في كل الاتجاهات, فبادرت الى زيادة الرواتب من 45-50 دينارا وهي الاعلى في تاريخ زيادة الرواتب, وألغت الرسوم الجمركية والضريبية على اكثر من 42 سلعة غذائية للحد من زيادة اسعارها مما كلف الخزينة اكثر من 100 مليون دينار, وزادت مخصصات المستفيدين من صندوق المعونة الوطنية بواقع 20 دينارا للفرد, ووجهت 65 بالمئة من المشاريع الرأسمالية في الموازنة الى المحافظات حتى يلمس المواطنون هناك بان لهم حصة في عملية التنمية المستدامة, ومع كل تلك الاجراءات انخفض عجز الموازنة من 1.25 مليار دينار الى 680 مليون دينار, وهذا بسبب الاستخدام الحصيف للمساعدات الخارجية وتوجيهها نحو بنود انفاقية تعمل على زيادة الاستقرار المالي للاقتصاد.
اجراءات الحكومة تلك كانت لمعرفتها بأن أزمة الاسعار التي سببها اساسا عوامل خارجية سيكون لها آثار وخيمة على الاردنيين والمملكة اذا لم يتم التصدي لها بطرق غير تقليدية, والحقيقة تقال ان الامور كادت ان تتفاقم بشكل مشابه لما حدث في بعض دول الجوار لولا متابعة الحكومة لتداعيات ازمة الاسعار ومواجهتها بحكمة.
اليوم بدأت الحكومة تجني ثمار ما زرعته في الشهور المريرة الماضية, فالاسعار في انخفاض كبير والمواطنون يشعرون بآثاره مباشرة في دخولهم ومعيشتهم, والاقتصاد في منعة اكبر, مما عزز الاستقرار الاقتصادي للمملكة من عدة جوانب زادت من تنافسيته التي هي ركيزة اساسية للمستثمرين, وفي اعتقادي ان ما يشهده اليوم الاقتصاد الاردني من ثبات ونمو واستمرار في تطوير وسائل الاعتماد على ذاته وتحمل الازمات سيعطي انطباعات ايجابية كبيرة لدى المانحين ورجال الاعمال.
اما تداعيات الازمة المالية العالمية على الاردن والمتمثل ابرزها في تراجع الصادرات او انخفاض نسبي قد يطرأ على الحوالات او جمود في تحرك الاستثمارات فهذه كلها آثار سلبية ليست محصورة بالاردن بل معظم دول العالم, وفي اعتقادي انها لا تشكل ذلك الخطر على الاقتصاد الاردني من ناحية استقراره او حتى الامن المعيشي للمواطنين, فرب ضارة نافعة, وعلينا ان نوازن جيدا بين الربح والخسارة مما يحدث على الصعيد العالمي.
العجز التجاري سينخفض كثيرا وقد تتجاوز نسبته 30 بالمئة بسبب تراجع فاتورة النفط وانخفاض اسعار السلع عالميا, وانخفاض اليورو سيكون له آثار ايجابية على الحركة التجارية الخارجية, الا ان الاثر الايجابي الاكثر مباشرة هو تحسن دخول المواطنين وانعكاسه الايجابي على قدرتهم الشرائية, هذه كلها امور كان يتطلع الى تحقيقها راسم السياسة الاقتصادية وشكلت تحديا جسيما على الاقتصاد الوطني, وهي تتحقق شيئا فشيئا.